ابن قيم الجوزية
378
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
وجلّ : وهل رأوها ؟ فيقولون : لا وعزتك ما رأوها . فيقول : فكيف لو رأوها ؟ فيقولون : لو رأوها لكانوا أشد منها هربا . فيقول : إني أشهدكم أني قد غفرت لهم ، وأعطيتهم ما سألوا ، وأعذتهم مما استعاذوا » . والقرآن والسنة مملوءان من الثناء على عباده وأوليائه بسؤال الجنة ورجائها ، والاستعاذة من النار ، والخوف منها . قالوا : وقد قال النبي صلى اللّه عليه وسلم لأصحابه « استعيذوا باللّه من النار » وقال لمن سأله مرافقته في الجنة « أعنّي على نفسك بكثرة السجود » . قالوا : والعمل على طلب الجنة والنجاة من النار مقصود الشارع من أمته ليكونا دائما على ذكر منهم فلا ينسونهما . ولأن الإيمان بهما شرط في النجاة . والعمل على حصول الجنة والنجاة من النار : هو محض الإيمان . قالوا : وقد حضّ النبي صلى اللّه عليه وسلم عليها أصحابه وأمته . فوصفها وجلّاها لهم ليخطبوها ، وقال : « ألا مشمّر للجنة ؟ فإنها - ورب الكعبة - نور يتلألأ . وريحانة تهتز ، وزوجة حسناء ، وفاكهة نضيجة ، وقصر مشيد ، ونهر مطّرد - الحديث - فقال الصحابة : يا رسول اللّه ، نحن المشمّرون لها . فقال : قولوا : إن شاء اللّه » . ولو ذهبنا نذكر ما في السنة من قوله : « من عمل كذا وكذا أدخله اللّه الجنة » تحريضا على عمله لها ، وأن تكون هي الباعثة على العمل : لطال ذلك جدا . وذلك في جميع الأعمال . قالوا : فكيف يكون العمل لأجل الثواب وخوف العقاب معلولا ؟ ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يحرّض عليه ، ويقول : « من فعل كذا فتحت له أبواب الجنة الثمانية » و « من قال سبحان اللّه وبحمده غرست له نخلة في الجنة » و « من كسا مسلما على عري كساه اللّه من حلل الجنة » و « عائد المريض في خرفة الجنة » والحديث مملوء من ذلك ؟ أفتراه يحرض المؤمنين على مطلب معلول ناقص ، ويدع المطلب العالي البريء من شوائب العلل لا يحرضهم عليه ؟ . قالوا : وأيضا فاللّه سبحانه يحب من عباده أن يسألوه جنته . ويستعيذوا به من ناره . فإنه يحب أن يسأل . ومن لم يسأله يغضب عليه . وأعظم ما سئل « الجنة » وأعظم ما استعيذ به « من النار » . فالعمل لطلب الجنة محبوب للرب ، مرضي له . وطلبها عبودية للرب . والقيام بعبوديته كلها أولى من تعطيل بعضها . قالوا : وإذا خلا القلب من ملاحظة الجنة والنار ، ورجاء هذه والهرب من هذه : فترت عزائمه ، وضعفت همته ، ووهى باعثه ، وكلما كان أشد طلبا للجنة ، وعملا لها : كان الباعث له أقوى ، والهمة أشد ، والسعي أتم . وهذا أمر معلوم بالذوق . قالوا : ولو لم يكن هذا مطلوبا للشارع لما وصف الجنة للعباد ، وزينها لهم ، وعرضها عليهم . وأخبرهم عن تفاصيل ما تصل إليه عقولهم منها ، وما عداه . أخبرهم به مجملا . كل هذا تشويقا لهم إليها . وحثّا لهم على السعي لها سعيها .